humab things

ما يميز الإنسان عن الأشياء الجامدة هي قدرته على التفكير واتخاذ القرارات واختيار مساره وفق إرادته. لذلك فحين ندفع بقوة كافية غرضا ما كالطاولة مثلا ليس بإمكان تلك الطاولة أن تقاوم إرادتنا بل تنزاح وفق ما أردنا. هكذا تسلك الأشياء في عالم الفيزياء: فلكل فعل رد فعل مساو له بالمقدار ومعاكس له بالاتجاه. الأمر يختلف تماما في عالم الأحياء وخاصة في حياة الإنسان. حين ندفع بإنسان ما بقوة الكلام أو الحركة لأن يجلس مثلا في مكان ما يكون أمر الرد بيده. باستطاعته التجاوب مع إرادتنا أو مقاومتها أو تأجيلها أو حتى القيام بمبادرة من ذاته ردا علينا كأن يهاجمنا أو يهرب منا. من هنا فالإنسان مخير لا مسير. وحتى حين يتجاوب مع إرادتنا فيبقى هو مخيرا إذ اختار طريق التجاوب على طريق المقاومة أو أي طريق آخر.

ربما يعتقد بعض الناس بأن الظروف الخارجية أقوى من الإرادة وبالتالي ينسبون بؤسهم لتلك الظروف. من يتبنى هذا النمط من التفكير يحول نفسه إلى شيء أو غرض وينسى أنه يملك إرادة وخيارات قرر هو اتباع إحداها دون غيرها وبالتالي وضع نفسه في انتظار الفرج الذي ربما يأتي أو لا يأتي. أصحاب هذا النمط يعتقدون أنهم يقرؤون الواقع المر كما هو ولا ينتبهون بأن هذا هو نمط تفكيرهم وتفسيرهم لواقعهم وبأنهم عالقون في هذا النمط وليس في الواقع. وبدلا من الانشغال بفحص الخيارات التي أمامهم وانتهاج إحداها يصرفون جهدهم في لوم الواقع وشتم الظروف ويبقون عاجزين. أو كما تقول الحكمة فهم يشتمون الظلمة بدلا من إيقاد شمعة.

ردود الفعل للظروف الخارجية تختلف من فرد إلى آخر. لنأخذ مثلا ظرف فقدان مكان العمل. رد فعل البعض يمكن أن يكون انهيارا نفسيا أو اكتئابا ويأسا واستسلاما أو يمكن أن يكون تحديا واحتجاجا بالطرق القانونية أو غير القانونية أو يمكن أن يكون بداية انطلاق نحو مشروع عمل جديد وبداية نجاح لم تكن ستحصل لو بقي في عمله السابق. ردود الفعل تختلف أيضا تجاه ظروف جميلة كالأعياد مثلا: البعض ينتظر العيد بفرح ويتمتع أثناءه بلقاء الأقارب والبعض الآخر يشعر بضغط وتعب من هذه المناسبات التي يتمنى أن تمضي عنه بسرعة. من هنا فالظروف بحد ذاتها لا تحدد رد الفعل النفسي والعاطفي بل إن شخصية الإنسان بما تشمل من ذكريات وأنماط تفكير وطرق مواجهة وغيرها هي التي تحدد ردود الفعل للأحداث والظروف.

هنالك ظروف خانقة أكثر من غيرها ومع هذا تبقى أمام الفرد حرية الاختيار. المرأة التي تعاني في زواجها وتبقى بهذا الزواج إنما هي امرأة اختارت معاناة الزواج على معاناة الطلاق. حتى في ظروف الاعتقال والسجن حين ينحصر عالم الإنسان بداخل جدران السجن تبقى أمام السجين بدائل للاختيار. بعض السجناء يحوّلون فترة السجن إلى فترة تعليم ويحصلون على شهادات جامعية بداخل السجن، وآخرون يلجؤون للدين ويدرسون أصوله، وآخرون يكفرون بدينهم أو ينحرفون أكثر نحو الجنوح، وآخرون يخططون للهرب أو يحفرون نفقا تحت الجدران، وآخرون يتوددون للسجان ويجارونه لكسب بعض وسائل الراحة، وآخرون يقررون الانتحار. هذه ستة بدائل على الأقل يستطيع السجين اختيار إحداها. مهما كانت الظروف قاسية كظروف السجن فهي لا تستطيع حبس الإرادة. وحين يبقى السجين بداخل جدران السجن فلا يعني ذلك أنه فقد إرادته بل يعني أنه لا يستطيع قهر جدران السجن ولا يستطيع التحكم بالظروف والواقع الخارجي. لا أحد يملك سلطانا على الظروف والآخرين وعلينا قبول هذه المحدودية لكن هذا لا يحد من سلطانه على ذاته وقراراته أمام هذه الظروف. أن تكون سيد نفسك وصاحب إرادة لا يعني هذا أن تكون سيد الظروف أو سيد الآخرين وأن باستطاعتك فرض إرادتك على الدنيا. أمام أي ظرف تستطيع دائما أن تفكر ماذا ستفعل وأن تختار طريقك وتتحمل تبعات هذا الاختيار. المهم بالأمر هو أن ندرك بأننا لا نستطيع تغيير عقول الآخرين وسلوكهم، بل نستطيع فقط أن نقرر ماذا نفعل أمام هذه العقول والسلوكيات. علينا أن نعي حدود ملعبنا أو مملكتنا وأن نعي أن للآخرين ملاعبهم التي لا نستطيع الدخول فيها والسيطرة عليها، وإن فعلنا فلا نحصد إلا الشعور بالعجز.     

هنالك من يقول: هكذا أنا هذه جبلتي أو طبعي معتبرا ذلك أمرا ثابتا لا يتغير. وهنالك البعض يقول أن ظروفي الماضية صنعتني على ما أنا عليه اليوم ولم يعد بوسعي أن أتغير. في كلتا الحالتين يكون المرء يتعامل مع نفسه على أنه شيء وينسى أنه صاحب إرادة. من يقول أن هذه جبلتي إنما يتعامل مع نفسه كعمارة اسمنتية انتهت مع انتهاء “صبة باطون”. ومن ينسب وضعه للظروف الماضية إنما يتناسى أنه لا يعيش الماضي بل الحاضر الجديد. أما استمراره بما فرضه عليه الماضي في هذا الحاضر الجديد إنما هو سوء تصرف يشبه الجندي الذي يواصل الخوف من العدو بالرغم من انتهاء الحرب أو العصفور الذي يخاف مغادرة القفص حتى بعد فتح باب القفص له.

  • الغريب في الأمر أن الذي ينسب بؤسه للظروف أو للآخرين إنما يحتج على أن الآخرين لا يحترمون إرادته ويتجاهلونها. في الحقيقة أن الإنسان في هذه الحالة هو الذي يتجاهل إرادته ولا يحترمها وأصلا لا يعترف بوجودها. قبل مطالبة الغير باحترام إرادتك احترمها أنت وضعها في مكانها الصحيح أمام الظروف والآخرين. فقط بهذه الطريقة تستطيع أن تتوقع من الآخرين احترامها وإن لم يفعلوا فيكون لك على الأقل احترامك أنت لإرادتك التي تستطيع بها انتقاء اختياراتك.      

  • الأمر الغريب الثاني هو أن من ينسب بؤسه للظروف والآخرين إنما يريد السيطرة والتحكم في الظروف والآخرين بينما هو فاقد السيطرة على نفسه وإرادته. كيف يستطيع المرء أن يطالب بأن تتناسب الظروف والناس له قبل أن يحاول السيطرة على نفسه وأخذ مصيره بيده أولا. أليس أولى أن يقرر المرء لنفسه ما يشاء من البدائل والخيارات المتاحة بدلا من أن يتوقع أن يختار الآخرين البدائل والخيارات المريحة له. ومن جهة أخرى فإن من يعلق سعادته بالآخرين إنما يفقد سيادته على ذاته بل ويسلم مفتاح قلبه ومزاجه للآخرين مما لا يبقي أمامه إلا العتاب واللوم والإحباط. 

نصائح:

  • تذكر، أنت لست شيئا تدفعه الظروف بل إنسانا يملك إرادة وحرية في اختيار رده.
  • كن سيد نفسك لا سيد غيرك أو سيد الظروف.
  • إجعل إرادتك على نفسك قبل أن تكون على غيرك.
  • قرر لنفسك ماذا تفعل مع الآخرين ومع الظروف.

البروفيسور مروان دويري

Share and Enjoy